أحمد مصطفى المراغي

58

تفسير المراغي

يختفى ، لاستيلاء الدهشة والحيرة عليهم ، واشتغال كل امرئ بنفسه كما جاء في قوله : « يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ » ( وَلا يَتَساءَلُونَ ) أي ولا يسأل القريب قريبه وهو يبصره ، لاشتغاله بأمر نفسه كما قال : « وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً » وما جاء في بعض الآيات من إثبات التساؤل بينهم كقوله : « فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ » فإنما هو عند القرار في الجنة أو النار . ثم شرع يبين أحوال السعداء وأحوال الأشقياء حينئذ فقال : ( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) أي فمن رجحت موزونات أخلاقه وأعماله فأولئك هم الفائزون بكل مطلوب ، والحائزون لكل مرغوب . ( وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) أي ومن ثقلت سيئاته على حسناته فأولئك الذين خابوا وآبوا بالصفقة الخاسرة ، إذ هم دسّوا أنفسهم باسترسالهم في الشهوات وفعل الموبقات . ( فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ) أي مآلهم أن يمكثوا في جهنم لا يخرجون منها أبدا . ثم وصف حال النار وحالهم فيها فقال : ( تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ ) أي تحرق النار وجوههم وهم فيها منقلصو الشفاه من أثر ذلك اللفح . وإنما خص الوجوه من بين باقي الأعضاء ، لأنها أشرفها ، فذكر ما ينوبها من ألم ، ويلحقها من أذى ، يكون أزجر عن المعاصي التي تصل بهم إلى النار . أخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في قول اللّه تعالى ( تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) تلفحهم لفحة تسيل لحومهم على أعقابهم . ثم ذكر ما يقال لهم حينئذ توبيخا وتقريعا وتذكيرا لما به حقّ عليهم العذاب ( أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ) أي قد أرسلت إليكم الرسل ،